صديق عدوك صديقك

 

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

 

في التاريخ العربي قصةٌ قديمة تحمل معناها حتى اليوم.. عندما خرج أبرهة بجيشه لهدم الكعبة، لم يكن يعرف الطريق عبر الصحراء والجبال.

لم يحتج إلى جيشٍ من العرب، بل إلى دليل، فكان هناك رجلٌ من العرب يُدعى "أبو رِغال".

لم يقاتل، ولم يحمل سيفًا، لكنه دلّ الجيش الغازي على الطريق إلى مكة. ولهذا لم يُنسَ اسمه، بل صار رمزًا لمن يُعين خصم قومه عليهم، ولو لم يُشارك في الحرب.

فالعدو لا يحتاج دائمًا إلى جندي.. يكفيه من يفتح له الطريق، فالطريق أخطر من السيف؛ لأنه يُسقِط المدن بلا حرب.

هذا ليس تاريخًا نرويه؛ بل واقعٌ نعيشه. ليست المشكلة في كثرة الأعداء، بل في ضياع التعريف.

حين يُلمَّع المحتل، ويُقدَّم داعموه شركاء سلام، ويُعاد تسويق الاصطفاف باعتباره "توازنًا"، فاعلم أن الخطر لم يَعُد عند الحدود، بل في وعي الأمة المختطف.

وعندما يختلط المفهوم، ويُصبح العدو جارًا مرحّبًا به، ويُقدَّم صديقُه حليفًا استراتيجيًا، فاعلم أن الخلل ليس في المشهد، بل في فبركة المفاهيم.

فالأمم لا تسقط حين تُغلَب؛ بل حين تُخدع.

هذه ليست عبارة تحريضية؛ بل خلاصة تجارب الأمم عبر التاريخ.

القاعدة لا تُجزَّأ: من يُضعف خصمك يخفّف الضغط عنك، ولو اختلفت معه، ومن يقوّي خصمك ويمنحه الغطاء والشرعية، فهو يعزّز الخطر عليك، ولو صافحك وتحدّث عن المصالح المشتركة.

وفي زماننا لم يعد العدو يأتيك بجيشه فقط، بل قد يأتيك بشعارٍ براق: “تقارب الأديان” أو “التعايش الحضاري” أو “النظام الدولي”.

قد ينشئ منظمات، ويوقّع معاهدات، ويغلّف مواقفه بلغة السلام، لكن القلب ينبض بالعداء.

فاللغة قد تُخفي النوايا.. لكن الأفعال تفضحها.

فلنسأل أنفسنا بصدق: هل تغيّر موقفه من الإسلام.. أم تغيّرت لغته فقط؟ إن بقي يحارب الإسلام سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا، فكل شعاراته مهما بدت براقة تبقى ظاهرها العسل، وباطنها السم الزعاف.

ليست المشكلة في الحوار، ولا في العلاقات، ولا في المصالح. المشكلة تبدأ حين يُعاد تعريف العدو شريكًا.. ويُعاد تعريف خصومه تهديدًا.

نحن أمام احتلالٍ قائم، وقتلٍ مستمر، وحصارٍ معلن، ومحاولةٍ واضحة لإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم مشروعًا صهيونيًا توراتيًا مزيفًا. هذا هو العدو. تعريفه ليس رأيًا سياسيًا.. بل نتيجة أفعالٍ ممنهجة ثابتة. وفي القرآن لا يُترك الأمر للاجتهاد المزاجي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.

فلنستيقظ من السُّبات ونقرأ الواقع بعناية: من يقف في صفّ عدوّك، أو يبرّر له، أو يحميه من محاسبة المحاكم الدولية، هو جزءٌ من معادلة الحرب، حتى لو لم يرفع سلاحًا؛ فالصمت أحيانًا.. أخطر من الذخيرة. والحياد بين ظالمٍ ومظلوم ليس حكمة، بل انحيازٌ صامت. ومن يقف في المنتصف بينما يُذبح المسلمون يمنح القاتل وقتًا إضافيًا.

إن أخطر ما تمرّ به أمتنا في حاضرها ليس قوة خصومها، بل داء الخيانة. ولولا نور الله الذي يستمدّه المؤمنون من وقتٍ لآخر، لاستُبدلت المساجد بالصوامع والكنائس؛ فالأمة لن تموت بالسلاح، بل حين تُخالف منهج خالقها وتحوّل قبلتها من البيت الحرام إلى تل أبيب.

حينها لا يعود “أبو رِغال” حالة؛ بل يصبح ظاهرة.

وهنا تتضح الحقيقة؛ فالسياسة قد تقول: صديقُ عدوّك صديقُك، لكن سنن التاريخ تقول: بوضوح، من فتح الطريق لعدو قام بإبادة شعبٍ مسلم.. لم يكن يومًا محايدًا، بل شريكًا في العداء.

وبين البقاء والهوان لا مساومة مع الحقائق، ولا حياد مع العدالة، ولا غفلة عن الخطر. فمن يتخاذل اليوم.. سيركع غدًا.

الأُمة لن تستعيد هيبتها ولا مكانتها ما دامت ترتهن للتبعية المقيتة، وتُخضع شعوبها طلبًا لرضا الأجندة الظلامية الغربية الظالمة.

نعم، تستعيدها عندما تُجسِّر الطريق بين القاعدة والهرم، وتنهض بصحوةٍ توقظ الروح، وتُقيم عدالةً تُلئم الجروح.

فالصحوة طريقُ العزّة، والغفلة طريقُ الذلّة؛ فالطريق إلى عزّة الأمة يبدأ من لحظة تمييز العدو من الصديق.. ومن لم يُحسن التمييز فليعلم أنه لم يبتعد عن الطريق ذاته الذي سار فيه أبو رِغال.

الأكثر قراءة

z